الجصاص

158

أحكام القرآن

والمسكين الصحيح منهم " . وقيل : إن الفقير هو المسكين إلا أنه ذكر بالصفتين لتأكيد أمره في استحقاق الصدقة . وكان شيخنا أبو الحسن الكرخي رحمه الله يقول : " المسكين هو الذي لا شيء له والفقير هو الذي له أدنى بلغة " ، ويحكى ذلك عن أبي العباس ثعلب ، قال : وقال أبو العباس : حكي عن بعضهم أنه قال : قلت لأعرابي : أفقير أنت ؟ قال : لا بل مسكين ، وأنشد عن ابن الأعرابي : أما الفقير الذي كانت حلوبته * وفق العيال فلم يترك له سبد فسماه فقيرا مع وجود الحلوبة . قال : وحكى محمد بن سلام الجمحي عن يونس النحوي أنه قال : " الفقير يكون له بعض ما يغنيه والمسكين الذي لا شيء له " . قال أبو بكر : قوله تعالى : ( يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ) [ البقرة : 273 ] يدل على أن الفقير قد يملك بعض ما يغنيه لأنه لا يحسه الجاهل بحاله غنيا إلا وله ظاهر جميل وبزة حسنة ، فدل على أن ملكه لبعض ما يغنيه لا يسلبه صفة الفقر . وكان أبو الحسن يستدل على ما قال في صفة المسكين بحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن المسكين ليس بالطواف الذي ترده التمرة والتمرتان والأكلة والأكلتان ولكن المسكين الذي لا يجد ما يغنيه " ، قال : فلما نفى المبالغة في المسكنة عمن ترده التمرة والتمرتان وأثبتها لمن لا يجد ذلك وسماه مسكينا ، دل ذلك على أن المسكين أضعف حالا من الفقير . قال : ويدل عليه قوله تعالى : ( أو مسكينا ذا متربة ) [ البلد : 16 ] ، روي في التفسير أنه الذي قد لزق بالتراب وهو جائع عار لا يواريه عن التراب شيء ، فدل ذلك على أن المسكين في غاية الحاجة والعدم . فإن قيل : قال الله تعالى : ( أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ) [ الكهف : 79 ] فأثبت لهم ملك السفينة وسماهم مساكين . قيل له : قد روي أنهم كانوا أجراء فيها وأنهم لم يكونوا ملاكا لها ، وإنما نسبها إليهم بالتصرف والكون فيها ، كما قال الله تعالى : ( لا تدخلوا بيوت النبي ) [ الأحزاب : 53 ] وقال في موضع آخر : ( وقرن في بيوتكن ) [ الأحزاب : 33 ] ، فأضاف البيوت تارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتارة إلى أزواجه ، ومعلوم أنها لم تخل من أن تكون ملكا له أو لهن ، لأنه لا يجوز أن تكون لهن وله في حال واحدة ، لاستحالة كونها ملكا لكل واحد منهم على حدة ، فثبت أن الإضافة إنما صحت لأجل التصرف والسكنى ، كما يقال : " هذا منزل فلان " وإن كان ساكنا فيه غير مالك له ، " وهذا مسجد فلان " ولا يراد به الملك ، وكذلك قوله : ( أما السفينة فكانت لمساكين ) [ الكهف : 79 ] هو على هذا المعنى .